تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٠ - الإشراق الثاني
إرادات متجددة متعاقبة غير متناهية، و زعموا إنه يفعل شيئا ثمّ يريد بعده شيئا آخر، فينفعل، ثمّ يريد فيفعل، و له إرادة ثابتة أزليّة، و إرادات متجدّدة لا تتناهى، و خالفوا في ذلك البرهان و القرآن جميعا كما فصّل في مقامه و الزم عليهم أن يكون إله العالمين جسما متحرّكا على الدوام، متأثّرا عن غيره كسائر الأجرام- تعالى عمّا يقوله الجاهلون علوّا كبيرا- فلا جرم [١] لمّا كانت قوّته و قدرته غير متناهية، وجوده و كرمه غير واقف عند حدّ ليحصل منه قدر متناه من الموجودات الممكنة، فوجب أن يكون من جوده وجود أمر دائم الحركات، و أمر دائم التأثّر و الانفعالات.
و ذلك يوجب انفتاح أبواب البركات، و رشح فنون الخيرات إلى ما شاء اللّه لأنّه إذا لم يكن الفاعل على الفيض بضنين فيحصل الفيض على أهل الاستحقاق بحسب استحقاقه و قوة احتماله، حتى أنّ النملة مع حقارتها لو كانت مستعدّة لقبول العقل و العرفان لوجب أن يفيض عليه الواهب المنّان بلا مهلة.
فلا جرم يجب في العناية الربّانية وجود جرم مستدير متحرّك على الدوام، مؤثّر فيما تحته إلى أن يشاء اللّه، و جرم آخر ساكن منفعل متاثّر منه كذلك كحركة الآباء على الامّهات، لتولّد البنين و البنات، فينبعث من حركة الفلك على وجه الأرض و إنزال الماء منه إليها أعداد المواليد، و أفضلها أفراد الإنسان المشابهة بحسب الروح النفساني للأب العلوي الجسماني، و بحسب الروح الأمري للأب المعنوي و الروح القدسي فإذا كملت منها نفس بالعلم و العمل عادت إلى الموطن الأصلي عند باريها و جنّة أبيها، و متى لم يكمل بأحدهما مكثت زمانا طويلا أو قصيرا في طبقات الجحيم، كما فصّل في مقامه.
الإشراق الثاني:
أما ما يتعلق بخلق الأرض من عجائب الحكمة و غرائبها فلا يمكن الاستقصاء
[١] جزاء: «لما لم يجز وقوفها ...».